د. صقر آل خليفة

الكتابENGLISH

مجانا وبلا تسجيل

اقرأ الفصل الأول

هذا هو الفصل الأول من كتاب أغلال الديمقراطية، كاملا كما هو في الكتاب. اقرأه ثم قرر بنفسك.

الفصل الأول: الثِّقل في الصعود

سأقولها صريحة من الصفحة الأولى، جزئيا لأنك ستكتشفها على أيّ حال، وأُوثِر أن تسمعها منّي. لم أعد أؤمن أنّ الديمقراطية أفضل طريقة لإدارة بلد.

لا أقول هذا كي أصدمك. وإن لسعتك قليلا، فلا بأس. اجلس مع اللسعة لحظة، فهي أكثر ما فيك إثارة للاهتمام الآن، وسنعود إليها. أقولها لأنني أمضيت حياتي الراشدة أدرس كيف تنهض الأمم وتسقط وتخدم شعوبها، وفي مكان ما من الطريق بدأ الزمن نفسه يطرح الحجّة نيابة عنّي. لا أزعم أنّ الديمقراطية شرّيرة، ولا أنها فشلت، بل الأمر أرقّ وأغرب من ذلك. لقد صارت، بهدوء، نوعا من الثِّقل.

دعني أُريك ما أعنيه بمثال الدرّاجة.

تخيّل الصعود الأخير في مرحلة جبلية من سباق فرنسا للدرّاجات ⁦(Tour de France)⁩، والطريق يتعرّج صاعدا إلى ألب ديويز ⁦(Alpe d’Huez)⁩، منعطفا بعد منعطف في هواء الألب الرقيق. هناك في الأعلى، ليست القوّة الخام هي ما يفوز، بل ما يفوز هو نسبة القوّة إلى الوزن، أي الواط لكلّ كيلوغرام. لهذا يكون المتسابقون نحيلين حتى العظم، والدرّاجات مُقشَّرةً إلى آخر ما تسمح به القواعد، وكلّ غرام يُستجوَب ويُثقَب ويُطالَب بتبرير وجوده. على الأرض المستوية، لا تكلّف بضعة كيلوغرامات زائدة المتسابق شيئا يُذكَر، أمّا على الجبل فتكلّفه تلك الكيلوغرامات نفسها السباق.

طوال معظم المئة سنة الماضية، كان الغرب متسابقا جبّارا إلى حدّ جعل الوزن لا يهمّ ببساطة. كان محرّكه متقدّما على الميدان تقدّما يتيح له أن يجرّ ما يشاء فوق أيّ منحدر ثم ينطلق بعيدا عن الجميع. كان يقدر على تحمّل كمالياته، ومجادلاته البطيئة، وعدم كفاءته الجميل، لأنّ لا أحد كان قريبا بما يكفي ليجعله يدفع ثمنها. ذلك هو القرن العشرون في صورة واحدة، متسابق من القوّة بحيث كان الوزن خفيّا.

وموضوعي هو ما يحدث حين يكفّ الوزن عن كونه خفيّا. يميل الطريق صعودا، ويقوى المتسابقون الآخرون الذين لم يوافقوا قطّ على حمل ما نحمل.

هكذا صرت أرى الديمقراطية، لا شرّا ولا فشلا بل كتلة. إنها كتلة نبيلة باهظة مصمَّمة ببراعة، مُثبَّتةٌ في هيكل الدولة. إنها عائق يحمله بطل مبتسما وهو يلفّ الميدان، ولم يعد يقدر عليه الآن وقد صار السباق مرحلة جبلية، والمتسابقون بجانبه يسافرون خِفافا.

الآن، القارئ المتنبّه يعترض سلفا، وهو محقّ في اعتراضه. أليس بعض ذلك الوزن هو المحرّك في الحقيقة؟ ألم تُولَد قوّة الغرب بالضبط من انفتاحه، ومن مجادلته الحرّة، ومن موهبته في الاعتراف بالخطأ وتغيير المسار، ومن عبقريّته في الاختراع؟ تمسّك بذلك الاعتراض، فإنه أفضل اعتراض موجود، وأعدك بأن أمنحه قتالا عادلا لاحقا، لأنّ حجّة لا تلتفت لتواجه أقوى خصومها لا تستحقّ أمسيتك. الآن سأقول هذا فقط، وهو أنّ الوزن والمحرّك ليسا الشيء نفسه، والسؤال كلّه أمامنا هو أيّهما صارت الديمقراطية، وعلى أيّ نوع من الطرق.

لم أصل إلى تلك الدرّاجة بسرعة، بل وصلت إليها بالطريق البطيء، بمحض مصادفة في سيرتي.

الرجل ذو العقل المقارِن

حالفني الحظّ في أمر واحد بعينه. أتيحت لي رؤية العالم، وابتُليت، أو رُزِقتُ، بعقل لا يكفّ عن المقارنة.

حين تنشأ داخل القصّة التي يرويها الغرب عن نفسه، تمتصّ تسلسلا بعينه وكأنه قانون الجاذبية. أولا تأتي الديمقراطية الليبرالية، ثم يأتي بعدها الازدهار والحرّية والكرامة والحياة الطيّبة. أحدهما يُنتِج الآخر، فلا تنمية بلا ديمقراطية. صِر مثلنا، أو ابق في الظلام.

لكنني زرت من الأماكن ما يكفي لأرى أنّ هذا التسلسل لا يصمد ببساطة. رأيت بلدانا منظّمة ومزدهرة ومتقدّمة ومطمئنّة إلى نفسها، وقد بلغت ذلك عبر طرق لا صندوق اقتراع عليها في أيّ موضع. وقرأت التاريخ فوجدت الحقيقة العنيدة نفسها تحدّق فيّ. حِقَب هائلة من التقدّم البشريّ، وحضارات كاملة من القانون والعلم والتجارة، ومدوّنات القانون الكبرى في الشرق الأدنى القديم، وعلوم العالم الإسلاميّ الوسيط وطبّه وتجارته، والخدمة المدنية الجدارية الواسعة في الصين الإمبراطورية التي جنّدت موظّفيها بالامتحان قبل ألف عام من أن يحلم الغرب بذلك، كلّها بُنيت قبل أن تخطر لأحد فكرة أن يُدلي كلّ بالغ بصوت متساو لاختيار الحاكم، وكلّها بُنيت من دونها. وكلّما ازددت دراسة للعلوم السياسية، ازداد الأمر وضوحا، لأنّ في هذا الحقل سرّا مكشوفا هادئا. المؤسّسات التي تؤدّي فعلا العمل الثقيل لمجتمع صالح، أي سيادة القانون، والقضاء النزيه، والإدارة الكفؤة، والملكية الآمنة، والدولة القادرة على التسليم، لا تضع الديمقراطية الليبرالية بين شروطها المسبقة. قد تنمو في تربة ديمقراطية، وقد تنمو أيضا في تربة ليست كذلك على الإطلاق.

فحين سمعت واثقين يصرّون على أنّ بقيّة العالم عليه أن يصير نسخة منهم كي ينجح، لم أغضب، بل ساورني الشكّ. لم يكن الأمر عقلانيا ببساطة. فأشياء أكثر من أن تُحصى تحدّد إن كانت أمّة ستزدهر، منها الجغرافيا، والتماسك، والمؤسّسات، والحظّ، والقيادة، والقرن الذي وُلدتَ فيه مصادفة، وهي أكثر من أن يكون الجواب ذلك الشعار الأنيق الوحيد الذي كان يُباع لي. ثم بدأت أراقب كيف يعمل الشعار فعلا عن قرب، في انتخابات على كلّ مستوى، من الحكومات الوطنية نزولا إلى اللجان التي تدير الرياضة الدولية، وما رأيته لم يكن الصدام النبيل للأفكار، بل كان لعبة متقنة باهظة منهِكة، غايتها ليست الحكم الجيّد بل الفوز، ثم الفوز مرّة أخرى. لماذا ما زلنا نلعب هذا، ظللت أفكّر، يا له من إهدار للوقت.

وأستطيع أن أخبرك بالضبط متى شعرت بذلك أوّل مرّة، قبل سنوات من أن أملك كلمة نظرية واحدة أكسوه بها. كان انتخاب مجلس طلبة في مدرستي الثانوية. وقف فتية وفتيات وألقوا خُطبهم الصغيرة، وشاهدت العرض كلّه بشعور يهبط ببطء، لأنه كان واضحا سلفا من سيفوز. لم يكن الطالب الأذكى، ولا صاحب أفضل فكرة للميزانية أو المقصف، بل المحبوب، الفتى صاحب أوسع دائرة، وأكثر الأصدقاء، وأعرض جماعة، نجم الطلبة صاحب الأتباع. أتذكّر أنني كنت أراقب القاعة أكثر من المنصّة، لأنّ القاعة هي حيث كانت النتيجة تُكتَب فعلا. كانت الخُطب عن الميزانيات والإنصاف والمقصف، ولم تكن جملة واحدة منها ذات أثر. كان بوسعك أن تقرأ النتيجة في الجلوس، وفيمن يضحك لنكات من، وفي مدار الأصدقاء الذي دار حول فتى واحد كأنه منظومة شمسية صغيرة. أحصيت دائرته كما يُحصي المراهن حظوظ الفائز، وما شعرت به كان أقرب إلى الأسى منه إلى الغضب، لأنّ السباق كان قد انتهى قبل أن يُدلى بصوت واحد. وجلست هناك أفكّر فكرة لم أملك لها مفردات بعد. أهذا كلّ شيء، وهل هي برمّتها مجرّد مسابقة شعبية؟ أكان عليك حقا أن تكون الأكثر محبوبية في المبنى لتُسلَّم القرارات، لا الأقدر بل الأحبّ؟ كلّ مراهق يخسر انتخابا يفكّر بصيغة من هذا ثم ينساه قبل الغداء، أمّا أنا فلم أنسه قطّ. حملت ذلك السؤال بعينه، أحقا المحبوبون هم أفضل من يتولّى المنصب، عبر محيط وإلى شهادة في العلوم السياسية في الكلية العسكرية لولاية ساوث كارولاينا الأمريكية ⁦(The Citadel)⁩، وشهادتين أخريين بعدها، وأنا، بمعنى ما، ما زلت أجيب عنه على هذه الصفحة. لم يفارقني مجلس الطلبة قطّ، بل ظللت ألقاه من جديد، في كلّ موضع أنظر إليه، في بدلات أغلى ثمنا على الدوام.

الرجل على الرصيف

لكنّ شيئا من ذلك كلّه، لا النظرية ولا السفر، لم يصدمني بقدر مشهد رأيته بعينيّ، مرّة بعد مرّة، في أغنى بلد على الأرض.

أناس ينامون على الأرصفة في العراء.

كنت أمشي في المدن الأمريكية، في عواصم العالم الحرّ المتلألئة، فأتخطّى بشرا لا مأوى لهم. أناس مرضى أعجز من أن يعتنوا بأنفسهم، وأناس يحتاجون إلى علاج من السرطان ولا يجدونه، وأناس لا يحتاجون إلى شيء أغرب من سقف ووجبة وطبيب، وقد نظر إليهم أغنى مجتمع في تاريخ البشر، وقرّر بطريقة ما أنّ هذا مقبول. وأتذكّر أنني وقفت هناك أفكّر أسذج سؤال في الدنيا، من النوع الذي يُفترَض بك أن تتجاوزه مع الكبر. أليس من واجب أحد ما أن يضمن ألّا يكون هذا الرجل على هذا الرصيف؟

لم أتجاوز ذلك السؤال قطّ، فهو عندي الاختبار كلّه، ومعظم ما أؤمن به ينبع منه. إنّ أوّل واجب لمجتمع، قبل الحرّية، وقبل الصوت، وقبل أيّ شيء، أن يضمن الأرضية. أعني الصحّة، والسكن، والغذاء، والكرامة الأساسية في ألّا تسقط من قاع العالم. اضبط ذلك أوّلا، ثم دع الناس بعدها يحلّقون بأعلى ما تحملهم إليه مواهبهم وطموحاتهم. لست ضدّ الصعود، بل أحبّه، وإنما أقف ضدّ السقوط. وتأمّل ما تعلّمته عن تملّك بيت في أمريكا، وقد بدا لي شبه مستحيل حين فهمته أوّل مرّة. يستطيع رجل أن يشتري بيته كاملا، كلّ حجر فيه مدفوع بالكامل، ولا يدين لأيّ مصرف بدولار واحد، ثم يخسر ذلك البيت للحكومة إن تأخّر عن ضريبة العقار السنوية المفروضة عليه. وفي بعض الأماكن، عن دَين لا يتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، كان بوسع الدولة أن تأخذ البيت كلّه وتحتفظ بكلّ سنت من قيمته. وليس هذا تجربة ذهنية، ففي قضية بلغت المحكمة العليا الأمريكية، تأخّرت امرأة في الرابعة والتسعين اسمها جيرالدين تايلر عن ضرائب العقار على شقّتها الصغيرة في مينيابوليس. كان الدَّين الأصليّ نحو ألفين وثلاثمئة دولار، وتضخّم بالغرامات والفوائد إلى قرابة خمسة عشر ألفا. صادرت المقاطعة الشقّة، وباعتها بأربعين ألف دولار، واحتفظت بالمبلغ كلّه، أي الخمسة عشر ألفا التي كانت مستحقّة لها فعلا، والخمسة والعشرين ألفا التي لم تكن مستحقّة لها ببساطة. ولزم حكم من المحكمة العليا، في عام 2023، ليقرّر أنّ حكومة تستحوذ على ما تبقّى من قيمة بيت امرأة عجوز أمر مخالف للدستور. وكون السؤال اضطُرّ إلى الصعود إلى أعلى محكمة في البلاد يخبرك أنّ هذا، حتى ذلك العام بعينه، كان ببساطة الطريقة التي بُنيت الآلة لتعمل بها. ما يعني أنّ الرجل في أمريكا لا يملك حقا السقف فوق رأسه إطلاقا، وإنما يستأجره، إلى الأبد، من الدولة، ما دام قادرا على الدفع، ويوم يعجز يزول. إنّ نظاما يحوّل بيتا مدفوع الثمن إلى شيء يمكن مصادرته عن فاتورة ضريبة قد أخطأ، في مكان ما من أسسه، فخلط بين سوق وحضارة. لم تكن هناك شبكة أمان، فمع كلّ حرّيته، كان النظام قد نسي أن يلتقط الناس. ولم أستطع أن أُزيل ذلك من عينيّ بعد أن رأيته.

ثلاث مدارس، ثلاث عقائد، سؤال واحد

تعلّمت أن أفكّر في هذا كلّه في ثلاثة معابد أمريكية شديدة الاختلاف، ومنحني كلّ منها إلها مختلفا أُسائله.

في تلك الكلية العسكرية ⁦(The Citadel)⁩، قبيل تخرّجي، سحبني أستاذ جانبا بما يشبه الرهبة. قال إنّ جورج و. بوش قد فاز بوصفه مرشّح سياسة خارجية متواضعة، رجلا سخر علنا من فكرة استخدام الجنود الأمريكيّين بُناةً للأمم، ووعد بأن يوجّه البلاد إلى داخلها بعيدا عن مشاجرات العالم التي لا تنتهي، وتراجع عن جُرح الإسرائيليّين والفلسطينيّين الذي أنفق سلفه نفسه في محاولة علاجه. ظنّ الأستاذ أنه وعد خطير أن يُقطَع، وأخبرني أنه سيعود ليطاردنا جميعا. ثم تخرّجت، ودار تقويم العالم إلى الحادي عشر من سبتمبر، وشاهدت في الوقت الحقيقيّ كيف تبخّر كلّ وعد. التفويض الذي منحه الناخبون لبوش، وهو أن يبقى في الداخل ويبتعد عن الخارج، زال في غضون صباح. الرئيس الذي احتقر بناء الأمم سيغزو ويحتلّ أمّتين ويحاول بناءهما معا، ويُكتَب قانون باتريوت ⁦(Patriot Act)⁩، وتبدأ الحروب. وبوش نفسه، بعد سنوات، سيصف الانقلاب بأمانة نازعة للسلاح، كاتبا في مذكّراته أنه بعد ذلك الصباح غيّر رأيه ببساطة. حدث ذلك لا لأنّ الرجل كان كاذبا، بل لأنّ الظرف تجاوز الصندوق ببساطة، كما يتجاوز الفيضان سياجا.

لم أملك اسما لما شهدته بعد، أمّا الآن فأملكه. شاهدت، في مستهلّ حياتي الراشدة، اللحظة التي انحنت فيها وعود ديمقراطية لشعبها وانكسرت تحت ثقل طارئ، فالصوت يقول شيئا، والعالم يطلب شيئا آخر، والعالم ينتصر. تمسّك بتلك الصورة، فهي التي تقود كلّ ما يأتي بعدها، وقد تعثّرت بها قبل أن أملك بدلة واحدة.

ثم ذهبت إلى الجامعة الأمريكية في قلب واشنطن ⁦(American University)⁩، حيث كان الإيمان معاكسا. هنا كان العالم أسرة من أنداد، وكانت الأمم المتحدة أشبه بكنيسة. كلّ ثقافة تستحقّ الاحترام، ولا يحتاج صديقان إلى نوع الحكم نفسه ليبقيا صديقين، والمستقبل تعاون وكرامة وأخوّة بطيئة بين الأمم. كان الأمر جميلا، وجزء منّي ما زال يريده أن يكون حقيقيا.

ثم ذهبت إلى كليرمونت ⁦(Claremont)⁩، في كاليفورنيا، حيث كانوا سيرون الجامعة الأمريكية ساذجة محبّبة. في كليرمونت لم يكن هناك إلا القوّة، قوّة صلبة قابلة للقياس، من يملكها، ومن يكتسبها، ومن يوشك أن يخسرها. كانوا من الصلابة بحيث بالكاد آمنوا بالقوّة الناعمة، بل أرادوا أن يروها في الأرقام أو لا يروها أصلا. والسؤال الوحيد الجدير بالطرح كان ما القوّة، وكيف تُستخدَم في العالم.

فتخيّلني، شابا من البحرين، واقفا في تيّار تلك القناعات الثلاث المتقاطع، الواقعيّ المسكون في الكلية العسكرية، والمثاليّ في واشنطن، والاستراتيجيّ البارد في كاليفورنيا، أحملها الثلاث في رأسي معا، وأطرح السؤال الذي لم يُجب عنه أيّ منها تماما. أين، بالضبط، تقع الديمقراطية الليبرالية في هذا العالم؟ لا حيث نقول إنها تقع، بل حيث تقع فعلا.

امرأة في الإذاعة، ومُلصَق على جدار

أمران صغيران بقيا معي أطول من معظم كتبي الدراسية.

الأوّل سمعته في الإذاعة، عام 2008، على هيئة الإذاعة البريطانية ⁦(BBC)⁩، على هاتف صغير كنت فخورا به فخرا سخيفا حينها. سُئلت امرأة من إحدى الأراضي السوفياتية القديمة عمّا تغيّر فعلا حين أفسحت الشيوعية مكانها للديمقراطية، وجوابها لم يفارقني قطّ. قالت إنها من قبل كان لديها مال، لكن لم يكن هناك ما يُشترى، والآن هناك كلّ شيء يُشترى، لكن ليس لديها مال. لا أنقل كلامها دفاعا عن المفوّضين الحزبيّين، فقسوتهم كانت حقيقية، وإنما أنقله لأنها في نفَس واحد قالت أصدق ما في هذه الصفحات. إنّ الناس العاديّين، في النهاية، لا يقيّمون حكومة بأناقة الإجراء الذي اختارها، بل يقيّمونها بما تضعه على المائدة. امتلأت الرفوف، وجاءت الحرّية، واختفى المال. عند منظّر سياسيّ هذا انتصار، أمّا عندها فكان مقايضة، ولم تكن واثقة إطلاقا أنها خرجت رابحة.

والأمر الثاني قرأته على جدار نادي رياضيّ، نحو عام 2001، وما زلت أردّده في المآدب منذ ذلك الحين. الدبلوماسيّ شخص يستطيع أن يقول لك اذهب إلى الجحيم بطريقة تجعلك تتطلّع فعلا إلى الرحلة. يُضحِك القول الناس، ثم أُفسِد الضحك بأن أخبرهم أنه أصدق وصف للسياسة الديمقراطية الحديثة وجدته يوما. لأنّ هذا ما صرت أؤمن به، وما سأمضي هذه الصفحات أُريك إياه. الديمقراطيات، مرّة بعد مرّة، تُقنِع شعوبها بأن تصوّت بمرح ضدّ مصلحتها، وأن تختار قرارات تتركها أفقر وأضعف، والناخبون يمضون طائعين، بل ممتنّين، لأنهم يظنّون أنهم يحمون شيئا يحبّونه أكثر من المال، ولا يُقال لهم قطّ إنّ تلك هي المقايضة. إنهم يختارون الذهاب إلى الجحيم، ويتطلّعون إلى الرحلة.

ما أدّعيه، وما لا أدّعيه

فدعني أخبرك بوضوح بما أفعله هنا، لأنني أريدك معي، لا متحفّزا ضدّي.

لست أدعو إلى ثورة، ولا أؤمن بالثورات، فهي تميل إلى التهام الناس أنفسهم الذين قُصِد بها إنقاذهم. أفعل شيئا أهدأ، وآمل أن يكون أرحم. أقول للغرب إنّ الأمور ستكون بخير، وإنّ التغييرات الجارية سلفا ليست نهاية النور وقدوم الظلام. إنّ عددا أقلّ من الانتخابات لا يعني بالضرورة حرّية أقلّ، وإنّ شعبا قد ينتهي به الأمر، رغم غرابة الأمر، إلى حرّية أوفر ورفاه أوفر على الجانب الآخر من التخلّي عن فكرة أنّ كلّ مسألة يجب أن تُحسَم برفع الأيدي. إنني أُمسِك بابا مفتوحا، لا أُشعِل نارا.

أربعة أمور يجب أن تكون واضحة قبل أن نخطو خطوة أخرى.

الأمر الأوّل هو الذي أعطيتك إياه سلفا. لا أظنّ الديمقراطية الليبرالية أفضل نظام نستطيع بناءه، وأخبرك بانحيازي في الصفحة الأولى بدل تهريبه في الصفحة المئتين، لأنك تستحقّ أن تقرأ الباقي وأنت تعرف تماما أين أقف.

والأمر الثاني أنّ نهاية الديمقراطية ليست فيلم الرعب الذي تجعلك العبارة تتخيّله. نقيض الصندوق ليس الحذاء العسكريّ. إنّ الحكم الصالح، والقضاء النزيه، والحاكم الذي يُساءَل عن نفسه، هذه أقدم من الديمقراطية بآلاف السنين ولم تكن قطّ ملكيّتها الخاصّة. وما هو آت، إن بنيناه عن قصد، يستطيع أن يمنح الناس معظم ما أرادوه فعلا من الحكومة طوال الوقت. سأحاجّ بأنه نور لا ظلام، وسأحاجّ بذلك كاملا، بظلاله كلّها.

والأمر الثالث هو الأهمّ، فهذا إسقاط لا نبوءة. لا أستطيع إثبات المستقبل، وأرتاب في كلّ من يزعم أنه يستطيع. كلّ جيل دفن الديمقراطية حتى الآن ثبت خطؤه، وأُبقي ذلك السجلّ المُذِلّ في مرأى واضح بجانب حجّتي، لا خلف ظهري. أعطيت أسبابي لظنّي أنّ هذه المرّة مختلفة، لكنني لن أطلب منك أن تصدّقني، بل سأطلب منك أن تزنني، وسأخبرك، قبل النهاية، بالضبط ما الذي يُثبت خطئي.

والأمر الرابع أنّك وقد قلته في الصفحة الأولى وهو يستحقّ التكرار. إن أنهيت هذه الصفحات وأنت ما زلت مقتنعا أنّ حقّك في اختيار حكّامك يساوي أكثر من راحة أن تُحكَم جيّدا، فلن تكون قد أخفقت في فهمي. ستكون قد فهمتني تماما واخترت الجانب الآخر من الرهان، وهذا مسموح. إنه قرار حول ما يهمّ أكثر في حياة الإنسان، ولا يحسمه أيّ رسم بيانيّ.

ولمّا كنت أطلب منك أن تحكم على أنظمة كاملة بثمارها، فأنت تستحقّ بطاقة تقييمي سلفا. حين أصف حكومة بالناجحة في هذه الصفحات، سأعني ثلاثة أمور لا رابع لها. أوّلها أنها تضمن الأرضية، فلا ينام أحد تحتها على رصيف، ولا يبقى بلا علاج، ولا يسقط من قاع العالم. وثانيها أنها تفتح الصعود، فيكون ما يستطيع المرء أن يصير إليه محكوما بموهبته وطموحه لا بمولده أو علاقاته. وثالثها أنها تُبقي المجتمع متماسكا بما يكفي ليتصرّف، وليقرّر، وليتحرّك ككيان واحد حين تطلب اللحظة ذلك. الأرضية، والصعود، والتماسك، هي بطاقة التقييم كلّها، أي حدّ أدنى مضمون، وحدّ أعلى متغيّر، والوحدة اللازمة للسعي إليهما معا. كلّ حكم أُصدِره من هنا فصاعدا يجري على تلك الاختبارات الثلاثة. أضعها الآن، في العلن، حتى لا أستطيع أن أحرّك مرماي بهدوء لاحقا، تماما كما لن أسمح للمدافعين عن الديمقراطية بتحريك مرماهم. ولاحِظ أنّ الثلاثة كلّها اختبارات تسليم لا إعلان. فكلّ نظام في التاريخ ادّعاها، والاشتراكيّ بأعلى صوت من غيره، والادّعاء لا يساوي شيئا. وقد أخبرتك المرأة في الإذاعة سلفا كيف تبدو أرضية موعودة حين لا يصل إلا الوعد.

وإليك الخيط الذي سأسحبه من البداية إلى النهاية، ويبدأ من مجلس الطلبة ذاك. إنّ ما يجعل حكومة تخدم شعبها فعلا لم يكن قطّ الانتخاب في الحقيقة، بل هو حجم الجمهور الذي على الحاكم أن يُبقيه راضيا لكي يبقى. اجعله يُساءَل أمام الكثرة، فيبني المدارس والطرق والمحاكم للكثرة. ودعه يُساءَل أمام قلّة، فيُطعِم القلّة ويترك الباقين يتعفّنون. كان الصندوق طريقة واحدة، حديثة وفظّة ومتصدّعة على نحو متزايد، لإجبار الحاكم على مساءلة أمام الكثرة. لكنّ شيئا آخر بدأ في قرننا يُجبِر الحكّام في كلّ مكان على مساءلة أمام الكثرة، بصندوق أو بغير صندوق، وهو عالم متّصل يراقب ويقارن، حيث يفرّ المال من الحكم السيّئ، وحيث تخرج الموهبة من الباب، وحيث يستطيع كلّ مواطن أن يرى كيف يعيش كلّ إنسان آخر على الأرض فيسأل لِم لا أنا. إنّ ما مُدِحت الديمقراطية لأجله ينفلت من الديمقراطية. ذلك هو التيّار العميق تحت كلّ ما يتبع، وسنمضي هذه الصفحات نتعلّم قراءته.

أكتب هذا للجميع، لكن قبل كلّ شيء للغرب، لا لأسخر منه، بل لأساعده على رؤية العالم أوضح قليلا، ولأطمئنه أنّ الأرض المتحرّكة تحت قدميه ليست زلزالا بل مدّا. وأكتبه، فوق ذلك كلّه، لشخصين بعينهما سيقرآنه بعد بقيّتكم بزمن طويل، وهما ولداي. أودّ أن يعرفا أنّ أباهما فكّر بنفسه، وأنه لم يجر مع الجموع لمجرّد أنها الجموع، وأنه نظر إلى أكثر أفكار عصره ثقة وجرؤ على طرح سؤال ابن السادسة عشرة مرّة أخرى، وهو أحقا الفتى المحبوب هو الأفضل للمهمّة، وتبع الجواب حيثما ذهب.

ويوما ما، آمل، سينظر أحد إلى ما كُتب هنا فيقول إنه كان يقول الحقيقة.

فلنكتشف معا إن كان صادقا في ذلك.

انتهى الفصل الأول

بقية الكتاب ستة عشر فصلا، ومعها اثنان وعشرون نموذجا إحصائيا منشورة بالكامل لمن أراد أن يتحقق منها بنفسه. الكتاب متاح إلكترونيا وورقيا.

صفحة الكتاب وروابط الشراء